التخطي إلى المحتوى
بائعة البسباس .. حكايات اعجبت الرقيب  
بائعة البسباس

بائعة البسباس .. حكايات اعجبت الرقيب

بائعة البسباس .. حكايات اعجبت الرقيب

 

✍ الكاتبة ذكريات البرام

مرة من المرات..
خرجت من المحكمة وتنازلت عن القضية اللي كنت بحاجتها لأنه ماعاد عنديش فلوس للمحامي..
قلي واحد ضابط ” محترم” سمعني اتكلم مع المحامي انه ماعاد عنديش فلوس وقلي اذا اشتي عمل ..
وقلت له ايوة طبعا, جاب لي عنوان معهد في الحصبة مدير المعهد صاحبه وممكن يشغلني عنده ..
رحت للحصبة وقابلت المدير الذي جلس يأخرني للظهر عشان اخرتها يقلي تعالي نخرج نتغدا ونخزن ونشوف موضوع العمل..
قلت له ” ياشيخ, الله لا يحوج بناتك يوم من الأيام لناس من امثالك وانا الحق عليا الذي وثقت في ضابط”..
خرجت وأنا فيني بكا وضيق العالم كله من كل شي ..
من حياتي كلها ..
وانا مروحة واقفة منتظرة الباص ..
في الشارع المقابل قدامي واحدة كانت تبيع بسباس..
ولأنه انا من النوع المبعسس في التركيز ..
كنت اراقبها..
ادرس حركاتها..
ركزت في ايديها ..
كانت تلبس جلباب بس يديها كانت واضحة انها صغيرة يعني 25 أو 27 بالكثير..
وكانت مدنيه راسها بخجل…
جت لي غصة وهي تجمع الافلاس داخل محفظة مهرية صغيرة..
وترجع ترتب البسباس وكأنها تشغل نفسها ..
مارفعتش راسها حتى أنها تشوفني اراقبها..
ماظنش انها كانت حتى تشوف اي حد اصلا..
قلت في نفسي أن شاء الله مايمشيش صاحب المعهد من عندها ويقلها تعالي نطلع الجبل نشوف كيف ينمو البسباس..
المهم, قطعت الشارع ورحت لها..
وجلست يعني أنني اشوف البسباس..
وانا اشتي اشوف عيونها ..
وسالتها بكم الكيس الصغير..
بصوت كله دفا, كله خجل, كله ألم ..قالت ” بخمسين”..
أوجاعنا كلها “بخمسين”..
خيباتنا كلها ” بخمسين”..
مافيش أرخص من أحلامنا في العالم كله “بخمسين”..
عيونها , كم تخبي وراها من حكاية وجع مخفيه..
ياترى من منتظرها ترجع بالافلاس تغديهم وتعشيهم و” بخمسين”…
ايديها اللي شفتهن من قريب , تحكي قصة كفاح لامرأة محترمة عفيفة, جمال عيونها الذي صبغ عليهن الزمن صبغته الحزينة..
قلت لها متزوجة! التفت لاعندي وماجاوبتش..
وارتبكت ونزلت البرقع بسرعة على عيونها ..
يمكن خافت انني اعرفها ..
جبت لها الألف الريال الذي كنت أملك..
قالت مافيش معي صرف الف ,ورجعت تشتي تتدعي اي ماشي إذا معه صرف..
أخذت من يدها خمسين قلت هاتي لي بس هذة حق الرجعة للبيت…
شفت عيونها وفيهن دموع ..
وصوتها امتلى بالعبرة تخنقها…
قلت لها لا تتكلميش يااختي ,كلنا محتاجين في الدنيا, كلنا نشتي الرزق الحلال ..
رجعت انتظر الباص..
ماعاد راقبتهاش..
اساسا ماعاد التفتش لاعندها..
فجأة مسكتني هي..
قالت لي بالحرف وهي تبكي” الله يفتح لش كل باب مغلق ,الله يبعد عنش عيال الحرام”..
اهتزيت من داخل ..وكأنها فهمتني وانا فهمتها..
كلنا في نفس الدايره,,صح لبس مختلف, وشكل مختلف ..
لكن كلنا بنفس الدايره..
وانا بالباص..
هذاك الضيق الذي في قلبي بسبب صاحب المعهد اختفى..
الظلام الذي كان حولي بسبب كل الظروف كله راح ..
حسيت براحة عجيبة رغم أن كل مافي جيبي هي “خمسين”..
حسيت انني غنية , غنية ومش محتاجة أحد بالدنيا …
حياتي بكلها اختلفت وتغيرت ..
وكنت دايما اذكر هذة المره..
كنت احس انها الحجاب الفاصل بيني وبين عيال الحرام ..
كانت دايما معي في كل باب احسه انفتح لي كلما تملكني يأس أو خيبة ..كانت يدها اللي مسكتني بها هي اليد اللي تسحبني في كل مرة أغرق..
تمنيت اشوفها قبل مااسافر بس مالقيتها..
بس هي موجودة في مكان ثاني اكيد..
تبيع بسباس , تبيع كرات, تبيع حناء أو بخور ..
هي موجودة بيننا ..
العفيفات المتعززات…ادعمو اي واحدة تشتغل بالحلال..
ادعموا اي واحدة تبيع اي حاجة ولو كانت اشياءها مش مفيدة لكم ..
ابعدوهن من عيال الحرام ومن بناتهن..
ابعدوهن من المتصيدين للحاجة والفقر ..
صدقوني…
جبر الخواطر ..هوالعمل الذي أنت تعمله ويرجع لك بنفس اللحظة والدقيقة..
مايحتاجش وقت عشان تحس بقيمته..
الراحة الذي بتحسوها بعد أي جبر للخواطر..
ولو بكلمة ,, كلمة دعم وكلمة تشجيع مش بس فلوس..
مستحيل تحسوه في اي شي ثاني بالدنيا…
دوروه في الشوارع اللي تشوفها عيونكم ..
ماعليكم من مشايخ المساجد ودوروه انتم..بيدكم انتم …
اشتروا منهن اللحوح والخبز والبسباس والبخور ..
لا تخلو أحد يكسرهن ويستغل حاجتهن..
كونوا أنتم الحجاب الذي بينهن وبين عيال الحرام ..
اذكروا أن هاذولا المتعززات معاهن بنات ..
وكونوا أنتم الآباء ..ولو بالقليل ..
وشوفوا “القليل” هذا كيف بيغير حياتكم نفسيا ومعنويا ..????

#حكايات_من_الف_نيله_ونيله