الرئيسية » مقالات » قيامة نقم
قيامة نقم

قيامة نقم

Spread the love
  • 6
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
    6
    Shares

قيامة نقم

✍ كمال البرتاني

الاثنين 11 مايو 2015، يوم لن أنساه أبدا. منذ الصباح، لم يكن للناس من حديث سوى عن الهدنة بين القاتل والضحية. الهدنة بين طائرات الأشقاء ومنازلنا، بين صقورهم الشجعان، وأطفالنا ونسائنا. الجميع يريدونها هدنة طويلة الأمد يتنفسون فيها الصعداء، وينامون من دون أن ينتظروا الموت القادم من بلاد الحرمين.

في بداية المقيل، فكرت أن التقدم في نجران وجيزان، والجديد في جبهتي عدن ومأرب، سيجعلان الهدنة هشة إلى أقصى حد، ويمكن أن تسقط قبل أن يدرك الناس وجودها.

ومن تابع إعلام مملكة الشر، عرف أن اتهام الرئيس السابق بامتلاك سلاح نووي مخبأ في جبل نقم، يعني أن القضاء على صالح أصبح من أولويات العدوان ومن أهدافه الاستراتيجية؛ خصوصا بعد ظهوره أمام ركام منزله متحديا وداعيا لحمل السلاح والدفاع عن الوطن. كما كان تحديد مكان النووي المزعوم إشارة إلى أن جبل نقم هو مسرح الجولة الأخيرة قبل الهدنة.

كان واضحا أنهم منحوا أنفسهم مبررا لارتكاب جريمة جديدة ربما تفوق كل ماسبق منذ 26 مارس، وهذا ما حدث فعلا، إذ أصبح نقم- حارس صنعاء الأزلي- نقمة على سكان الأحياء المحيطة به.

في الغارة الأولى رشق سرب متتابع من الطائرات جبل نقم بعدد من الصواريخ، كشف عن خبيئة تقليدية كانت أصوات صفيرها وانفجاراتها تتناوب بإيقاع منتظم، وسرعان ما تصاعدت النيران من خاصرة الجبل. واستهدفت الغارة التالية معسكر الحفا المتاخم لنقم، حيث ظهرت أعمدة الدخان.

وقبيل أذان المغرب، عاودت الطائرات غاراتها، وأرسل لنا شرطي العالم هدية ثمينة من إحدى بوارجه. كنت أبحث عن قنينة ماء، فوجدت مجموعة من الشبان والأطفال يركضون باتجاهي. رفعت عيني لأجد كتلة برتقالية عملاقة من اللهب تتموج، وفي قلبها أضواء أرجوانية. سرعان ما ارتفعت أمام أعيننا حتى غطت الأفق كله، وتوارى نقم خلفها.

شعرنا أن ذلك اللهب الجحيمي، يزحف نحونا كالطوفان، يقترب من الأحياء السكنية، ويوشك على ابتلاعها، قبل أن تنحسر رغوة النار، ويتصاعد الدخان الأبيض ليغطي سماء العاصمة.

رأيت طفلا تكوم على نفسه مغطيا أذنيه، وتعثر آخر وهو يهرب ويتلفت إلى الخلف والطوفان يلحقه. ترك الصغار دراجاتهم وكراتهم في الشارع وهربوا. بعضهم لم يدر إلى أي جهة يفر. ومنهم من واصل الهرب حتى وجد نفسه في منطقة لايعرفها.
لقد ضاع الكثير منهم،
و آخر الليل كثرت النداءات الإنسانية وانتشرت صورهم في الفيس بوك والواتس آب.

قبل دقائق من الكارثة، شاهدت شابتين تضحكان وهما تسيران على إيقاع بحر راقص، في طريقهما إلى البقالة، ثم وجدتهما تركضان بسرعة تضاهي سرعة العداء الجامايكي (يوسين بولت)، وقد أفلتتا مابأيديهما من أكياس مليئة بالمشتريات. واعتصر قلبي الألم، حين رأيت امرأة خرجت بثوب الصلاة تبحث عن طفلها، وتصرخ طائشة العقل: “أين ابني”؟!

خلال أقل من 5 دقائق، أغلقت المحلات ولفظت المنازل التي رجها الانفجار المرعب سكانها.
وظهر عدد من السيارات المحملة بالنساء والأطفال وهي تسير بسرعة جنونية. توقف بعض الشبان اللاهثين لتوثيق الجريمة بكاميرات هواتفهم، بعد انحسار اللهب وتيقنهم أنهم أصبحوا في مأمن، ولو مؤقتا، بينما امتلأت الطريق بالبشر الراجلين، الباحثين عن ملجأ.

في اليمن، أصوات الانفجارات هي صفارات الإنذار، والبيوت هي الملاجئ، التي قد تصير قبورا.

لاذ البعض بأحد المساجد، وهم يعرفون أن بيوت الله ليست مستثناة من القصف والتدمير، وكان شيخ مسن يتمتم بآيات من القرآن وهو يشجع عصاه على الصمود بضع خطوات أخرى. الدموع والخوف والأسئلة التائهة هي كل ما يمكن قراءته في عيون النساء والأطفال. أحدهم سأل أباه: «للمه يفعلوا بنا هكذا؟!» سؤال بديهي بريء، كل إجاباته صادمة وجارحة!!

كنت أود الذهاب إلى مكان ما لإنجاز مهمة لاتقبل التأجيل، فلم أجد وسيلة مواصلات. مشيت في شوارع مليئة بالمشاة؛ كأنما يشاركون في ماراثون ليس فيه نقطة انطلاق ولا خط نهاية، وربما تكون جوائزه يوما أو أياما جديدة في عمر تستهلكه الخيبات، وتبدده مقامرات الساسة، الشياطين منهم والأغبياء!!

فوجئت بأن الانفجار لم يرعب سكان المناطق المحيطة بنقم فقط، وإنما وصلت آثاره إلى أماكن بعيدة، فقد صادفت عائلات تنزح من قرية الدجاج والحصبة والصيّاح. وسقطت قذائف وشظايا في قرى سعوان، وفي أماكن مختلفة داخل صنعاء. دخلت إحداهن منزلا بشارع الرقاص، فأصيب أحد السكان ووالدته وزوجته إصابات بالغة جعلتهم يزاحمون المئات من سكان نقم ومسيك وشارع خولان في المستشفيات المزدحمة بضحايا اعتداءات وجرائم سابقة.

مررت من حارات صنعاء القديمة، ورأيت الأهالي يشاركون في الماراثون ذاته. وسمعت أخبارا عن تضرر عدة منازل من هزة الانفجار. استوقفني شبان مسلحون عدة مرات في استجوابات سريعة، «من أنت؟ ومامعك هانا»؟! وهي أسئلة لايسمعها المرء في صنعاء إلا في ظرف كهذا.

منذ حل الظلام، انتشر مسلحون على مداخل ومخارج الحارات، منعا لحدوث فوضى، وحماية للمنازل من اللصوص الذين تزدهر مهنتهم وترتفع عوائدها وسط فوضى المدينة وارتباك أهلها.

كميات هائلة من الزجاج كانت في كل الشوارع التي مررت بها، وصولا إلى التحرير، حيث كان عامل نظافة يؤدي واجبه، سألته من أين كل هذا، فقال ساخرا إن السماء أمطرت زجاجا.

كانت صنعاء غارقة في الظلام، موعودة بالأرق، ولاتزال تتساءل عن الهدنة: هل ستدوم لأيام أو لساعات، أو أنها ستكون مبررا جديدا لتصاعد الإجرام السعودي؟!

بعد ساعتين من المشي، تعبت. كان القات قد تحول في فمي إلى غبار . لا أنجزت مهمتي ولا عدت إلى المنزل. تساءلت كيف أمسى يا ترى بعد قيامة نقم، فعدت أدراجي وأنا أقيس، بيأس، المسافة التي يجب قطعها.

لا أتذكر أني وجدت الشارع الممتد من جسر الصداقة إلى باب اليمن مقفرا مظلما كما هو الليلة. لاشيء يدل على أن العاصمة لاتزال على قيد الحياة، سوى كثافة المضادات الأرضية، وأضواء الهواتف التي تحولت إلى مصابيح في أيدي بضعة أشخاص يشاركون في الماراثون سائرين في اتجاهات متعاكسة.

عندما وصلت إلى البيت، أدركت أنني بحاجة لمزيد من الوقت كي أستطيع أن أكتب مشاهداتي، إلا أن خلاصاتها واضحة: فقد شهد نقم، والعاصمة كلها قيامة من صنع البشر. . قيامة اشترك خوف المعتدي وحقده في صنع أهوالها ومآسيها، من دون أن يعرف أنه يستعجل سقوطه!!.

كل المقالات في هذا القسم تعبر عن رأي كاتبها 

  •  
    6
    Shares
  • 6
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  
  •  

شاهد أيضاً

عبدالباري عطوان: هذه 4 مؤشرات لانفجار حرب إيرانية إسرائيلية !!

Spread the love2                     2Sharesعبدالباري عطوان: هذه 4 مؤشرات لانفجار حرب إيرانية إسرائيلية !!  2Shares2                  

حليمة بولند| خلال 48 ساعة… ما الذي فعلته حليمة بولند في الرياض؟

Spread the love                       خلال 48 ساعة… ما الذي فعلته حليمة بولند في الرياض؟                     

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *